محمد بن أحمد الإسكندراني الدمشقي
119
كشف الأسرار النورانية القرآنية
يعني أنهم يسقون الخيل اللبن إذا أجدبت الأرض ، وقال ابن قتيبة في هذا الآية : المراد من الشجر الكلأ وفي حديث عكرمة « لا تأكلوا ثمن الشجر فإنه سحت » . يعني الكلأ ، ولقائل أن يقول : إنه تعالى قال : وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ ( 6 ) [ الرّحمن : الآية 6 ] . والمراد من النجم ما ينجم من الأرض مما ليس له ساق هكذا قال المفسرون . وبالجملة فلما عطف الشجر على النجم دل على التغاير بينهما ، ويمكن أن يجاب عنه بأن عطف الجنس على النوع وبالضد مشهور ، وأيضا فلفظ الشجر مشعر بالاختلاط يقال : تشاجر القوم إذا اختلط أصوات بعضهم ببعض وتشاجرت الرماح إذا اختلطت ، وقال تعالى : حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ [ النّساء : الآية 65 ] . ومعنى الاختلاط حاصل في العشب والكلأ فوجب جواز إطلاق لفظ الشجر عليه . ( القول الثاني ) : إن الإبل تقدر على رعي ورق الأشجار الكبار ، وأيضا المعز على هذا التقدير فلا حاجة إلى ما ذكرناه في القول الأول . ( البحث الثاني ) : قوله : فِيهِ تُسِيمُونَ [ النّحل : الآية 10 ] . أي في الشجر ترعون مواشيكم يقال : أسمت الماشية إذا خليتها ترعى وسامت هي تسوم سوما إذا رعت حيث شاءت فهي سوام وسائمة قال الزجاج : أخذ ذلك من السمة وهي العلامة وتأويلها أنها تؤثر في الأرض برعيها علامات ، وقال غيره : لأنها تعلم للإرسال في المراعي . وتمام الكلام في هذا اللفظ قد ذكرناه في قوله : وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ [ آل عمران : الآية 14 ] . ( المسألة الثانية ) : قوله : يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ [ النّحل : الآية 11 ] . وفيها بحث هو أن النبات الذي ينبته اللّه تعالى من ماء السماء قسمان : ( أحدهما ) : معد لرعي الأنعام وإسامة الحيوانات وهو المراد من قوله : فِيهِ تُسِيمُونَ [ النّحل : الآية 10 ] . ( وثانيهما ) : ما كان مخلوقا لأكل الإنسان ، وهو المراد من قوله : يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ [ النّحل : الآية 11 ] . أما الزرع فسيأتي الكلام عليه ، وأما الزيتون فهو نوعان : ( الأول ) : ينبت في آسيا والمغرب الأوسط والأقصى ومصر فجنسه أولى من الفصيلة الياسمينية ثنائي الذكور أحادي الإناث ، ويعلو من خمس وعشرين قدما إلى ثلاثين إلى خمس وأربعين ، وجذعه غير متساو ، وينقسم إلى فروع عديدة قوية ، وأوراقه متقابلة سهمية ضيقة